يوسف المرعشلي

342

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

باصطلاحاتهم عارفين بكلامهم معرفة تامة ، وكانت محبتهما لبعضهما محبة خالصة لا يشوبها شيء من المنفعة الدنيوية ، وهي التي يسميها الصوفية المحبة في اللّه ، وبعد أن سافر أخي إلى مكة للمجاورة والتجارة كانت المكاتبات لا تنقطع فيما بينهما ، ولما حجّ الشيخ حجّته الثانية ، كان أخي هناك ، فلقي هو وإخوانه من أخي كل ما فيه راحتهم ، وظلت المكاتبات بينهما إلى أن توفي أخي رحمه اللّه سنة 1307 . وبعد أن عاد من حجته صحا من جذبه ، وعاد إلى لبس فاخر اللباس ، ولازم زاويته للإرشاد وإقامة الذكر ، ومريدوه كل يوم في ازدياد حتى أصبحوا لا يحصون كثرة ، وكان من شأنه أن يسمر مع زائريه إلى الساعة الرابعة والخامسة ، ويذاكرهم في مسائل علمية وأدبية وتاريخية ، وقد كان له إلمام في التاريخ ومعرفة تامة في الأنساب ، خصوصا أنساب العائلات الشهيرة في حلب ، ويعظهم بالمواعظ الحسنة بما يرقّق قلوبهم ويوجب إقلاعهم عن المعاصي والدنيئات ، وتخلقهم بالأخلاق الحسنة ، ويؤلف فيما بينهم بحيث يصدق في حقهم قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [ الحجرات : 10 ] . وتزوّج رحمه اللّه ست زوجات ، جمع بين أربع ، وحدّثتني زوجته السيدة الشريفة عائشة بنت الحاج صادق الموقت وهي بنت أختي من الرضاعة - فإن أمها السيدة فاطمة بنت السيد الحاج محمد الطباخ شقيق جدي وعم والدي كانت رضعت من والدتي - ، قالت كان الشيخ بعد أن ينتهي من سمره مع الناس يدخل إلى منزله الداخلي إلى بيت من يكون دورها ، وتكون متهيئة له مترقّبة حضوره . فإذا أتى قامت بواجب خدمته من تقديم القهوة والنارجيلة ، وبعد أن يتحدث مع إحدانا يأخذ في مطالعة الكتب ، وربما أسمعنا ما فيه عظتنا ومسائل فقهية يقتضي أن يتعلّمها النساء ، ونظل معه هكذا إلى الثلث الأخير من الليل ، فينهض إلى التهجّد وقراءة أوراده إلى أن يؤذن الفجر ، فعند ذلك يؤدي الصلاة وينام ، ولا يزيد نومه على خمس ساعات ، وربما نام أقل من ذلك ، وبعد أن يستيقظ يقوم فيتوضأ ويأخذ في صلاة الضحى ، ويتناول لقيمات إن لم يكن أصبح صائما ، ويخرج إلى الزاوية . بقي على ذلك ثمانية عشر عاما إلى أن توفي رحمه اللّه تعالى ا ه . وكان كثير الصدقة يقوم بمؤنة كثير من البيوت ، وعمّر مسجدا صغيرا في أول محلة العقبة قبيل الخان المعروف بخان كامل . وكان مربوع القامة أبيض الوجه ، خفيف اللحية ، الحمرة لا تفارق عينيه ، وهي أمارة الشهامة وقوة النفس ، عظيم المهابة ، يهابه كل من رآه ، سواء في ذلك من عرفه ومن لم يعرفه ، لا يزور أحدا من الحكام ولا الأمراء ، ولا يرغب أن يقابلهم ، وبعد جهد حتى قبل زيارة جميل باشا والي حلب ، ولا يزور أحدا من الأغنياء ، بل كان الجميع يسعون لزيارته والتبرك بتقبيل يده وحضور مجالسه المفيدة الخالية عن اللغط ولهو الحديث . ولم يزل على حرمته وحسن طريقته إلى أن توفي بعلة الصدر ليلة الجمعة تاسع عشر المحرم سنة 1329 ، في الأيام التي حصلت فيها الثلوج العظيمة ودامت نحو أربعين يوما ، واشتد فيها البرد إلى أن وصل إلى 20 أو 22 تحت الصفر ، وكثر الموت في تلك السنة خصوصا في القادمين إلى حلب من الأطراف والخارجين منها إلى غيرها ، فقد مات أشخاص كثيرون في البراري لشدة البرد من كثرة الثلج الذي بلغ أزيد من ذراع في كثير من الأماكن ودام أياما ، وتعرف هذه السنة بسنة الثلج ، وصارت تاريخا لوفاة أناس وولادة آخرين ، ولذا كان مشيعو جنازة الشيخ يوم وفاته قليلين ، ولولا ذلك لكان له جنازة حافلة نظرا لكثرة مريديه ومحبيه وعظيم اعتقاد الناس فيه ، ودفن في تربة العبارة خارج باب الفرج رحمه اللّه تعالى وأغدق عليه سحائب رضوانه . ورثاه غير واحد من شعراء عصره ، منهم الشاعر الفاضل السيد محمد أفندي الحريري مفتي حماة قال في مطلع مرثيته : لفقد كبارنا تجري أماقينا * دمعا يكاد لظى مجراه يكوينا وما البكاء بمطف لوعة سكنت * منا القلوب ولا السلوان ينسينا ما حيلة العبد في الأمر المحتم * والآله جل له ما شاءه فينا وهي طويلة . ومنهم الأديب الفاضل الشيخ كامل